الشيخ محمد آصف المحسني
214
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
كذب على اللّه أو ردّ على اللّه عزّ وجلّ » « 1 » . تعقيب وتحصيل قد تحصّل من هذه الروايات وغيرها المستفيضة « 2 » أن أسباب فعله تعالى هي المشيئة والإرادة والقدر والقضاء بالترتيب المذكور من تقدم المشيئة على الإرادة المتقدّمة على القدر السابق على قضائه ، على عكس ما اشتهر بين الناس من تقدّم القضاء على القدر ، وهذا الترتيب مستفاد من صراحة بعض الروايات وظهور بعضها الآخر ، وأمّا ما في بعضها من خلافه فهو محمول على مجرّد بيان الأمور المذكورة وعدم النظارة إلى حيثية الترتيب كما لا يخفى ، ومثله ما في بعض أدعية شهر رمضان من قولهم عليهم السّلام : تقضي وتقدّر . وأمّا الإذن والأجل والكتاب المزبورة في الروايتين الأخيرتين فيمكن أن يحمل الأول منها - وهو الإذن - على قدرته أو علمه أو إمضائه ، فعلى الأولين يرجع إلى ذاته ، وعلى الثالث فهو فعله أي إرادته بالمعنى المتقدّم . وأما الأجل فهو داخل في القدر وتخصيصه بالذكر لعلّه للاهتمام . وأمّا الكتاب فلعلّ المراد به كتابة الأشياء في اللوح المحفوظ كما نطق به القرآن قبل السنة على ما يأتي إن شاء اللّه فلا شيء سبب لفعله تعالى وراء هذه الأمور الأربعة . ثم إنه لا شك - حسب دلالة هذه الروايات - أن المشيئة والإرادة اللتين هما من أسباب فعله تعالى غير الإرادة المتقدّمة في الفريدة الأولى التي هي نفس إيجاده وإحداثه ، فإنها بعد القضاء والتي وقعت في سلسلة أسباب الفعل تتقدّم على الإمضاء الذي هو إيجاده بمراتب كما عرفت . وهذا فليكن مفروغا عنه مقطوعا به ، بلحاظ هذه الروايات ومن هنا ينقدح أن لإرادته تعالى معنين : أحدهما الإيجاد ، والثاني ما ستعرفه هنا . إذا تقرّر ذلك فنقول : الظاهر أن المشيئة بمعنى ذكر أصل إيجاد الشيء في علمه تعالى فقط أو في اللوح المحفوظ أيضا كما هو الأظهر المدلول عليه بقوله عليه السّلام : « الذكر الأول » والإرادة هو تثبيته وتقريره وتتميمه في علمه أو في اللوح أيضا ، فنسبة الإرادة إلى المشيئة في اللوح نسبة المؤكد - بالكسر - إلى المؤكّد بالفتح ، وان شئت فقل : إن المشيئة تشبه التصوّر في حقّنا ، والإرادة الشوق فينا من وجه ، وإن كان التشبيه غير كامل . وأمّا القدر فهو بمعناه اللغوي وهذا بمنزلة التصديق بالنفع فينا ، وعليه فسببيته لأفعاله
--> ( 1 ) المصدر نفسه . ( 2 ) أسانيد أكثرها ضعيفة ، وبحث المتن مبنيّ على فرض الاطمينان بصدور بعضها ، كما هو غير بعيد .